التربية الروحية
التَّربِيَّة الرُّوحيَّة: هي الدَّورُ الأوَّلُ الوَاجبُ على الوالدَين القيامَ به تجاهَ طِفلِهِمَا ذكرًا كان أوْ أُنثَى، باعتبارهِما أوَّلِ المُتَعامِلينَ معَ المَولُودِ. فإنْ أَنشَآهُ وربَّيَاهُ فِي إِطَارِ الإِسلامِ الذِي اختارَهُ اللهُ تعالَى لِلإِنْسانِيَّة.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينْ﴾
سورة آل عمران: 85
فَإِنَّهُمَا يُحافظَانِ فِي المَولُود عَلَى الفِطرةِ وَيرْعَيانِهَا، وهيَ الفِطْرةُ التيِ فطرَ اللهُ النَّاسَ عَلَيها، كَمَا قالَ رسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وَسلَّم:
" كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانه أَوْ يُنَصِّرَانِه أوْ يُمجِّسَانِه ".
رواه البخاري ومسلم
وَنَعْلَمُ جَيِّدًا أنَّ الإِسلامَ دِينُ الفِطَْرةِ، ومِنْ مَظاهرِ الفِطْرَةِ، ذَلكَ الارْتِباطُ الطبِيعِيُّ الجِبِلِّيُّ في كلِّ نَفسٍ بَشَريَّةٍ بِربِّهَا الخَالِق، وَهوَ شُعورٌ مَغْروسٌ في كُلِّ إِنسانٍ ذَكرٍ أَو أُنثَى مُؤْمِنٍ أََو مُلْحِد، بِأَيِّ دِينٍ يَدِينُ، أَو شِرعَةٍ يَشْرَعُ، أَو مَذْهَبٍ يَذهَبُ، أَوْ نِحْلَةٍ يَنحَلُ؛ إنَّهُ الإِحْساسُ الذِي يَصفُهُ رَبُّ العزَّةِ وَالجلالِ في كتَابِه العَزيز، عِندمَا يُحَدِّثُنَا عَنِ الإنسان إِذا مسَّهُ الضُّرُّ.
﴿ وَإِذَا مَسَّ الاِنْسَانَ الضُرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَو قَاعِدًاأَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
سورة يونس: 12
أَوْ أَصحابِ الفُلكِ وَقَد أُحيطَ بِهم مِن كُلِّ جَانِب، فَتدْفَعهُم فِطرتُهم إِلى اللُّجُوءِ إِلى اللهِ تَعالَى وَهُم مُتأَكِّدونَ مِنْ قُدرَتِه علَى إِنقاذِهِم، رُغْمَ أَنَّهم يَعبُدُونَ غَيرهُ مِنَ الحَجَرِ، أَو النَّارِ أَو الشَّمسِ أَو شَيءٍ آخَر.
﴿ هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَاْ رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ المَوجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍوَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوا اللهَ لَهُ الدِّينَ لَئِنِ أَنْجَيتَنَا مِنْ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
سورة يونس: 22
فَالإِنْسَانُ مَهما طَغىَ وَتَجبَّرَ، وبَعُدَ عن ربِّهِ وَكَفرَ، وَاسْتَغنىَ وَتَكبَّرَ، تَبقَى فيه الفِطْرةُ جِينَةٌ مُتَأَصِّلَةٌ فِي نَسيجِ جِسمِهِ وَخَلاَيَاه، تَعودُ به عندَ الضَّيْقِ الشَّديدِ والكرْبِ العظيم إلى ربِّهِ الخَالق، عَبْرَ الرُّوحِ الإِلهَيَّةِ التِي نَفَخَها اللهُ عزَّ وجَلَّ فِي الإنْسان.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينْ﴾
سورة الحجر: 28، 29
فَهَذِهِ النَّفخَة الرُّوحِيَّةُ الإلهَيَّة هيَ التِي تَعودُ بِالإنْسانِ إلَى رَبِّهِ عندَ الشَّدَائِدِ وَالمُلِمَّاتِ، كمَا يَلجَأُ الطِفْلُ الصغِيرُ إلَى أُمِّهِ وَأبِيهِ إذَا أصَابَه مَكرُوه .
فَدَوْرُ الوَالِدَينِ عندَ تَربِيتِهمَا الأُولَى لِلطفْلِ أَنْ يعمَلا علَى رَبطِ المَولُودِ رُوحِيًّا بِرَبِّهِ الخَالقِ النَّافِخِ فيهِ مِن رُوحِهِ وَتَرسِيخِ هذِهِ الرُّوحِ وَتَنمِيَتِهَا فِيهِ، وَرِعايَتِهَا كَمَا يَرْعَيَانِهِ جِسمِيًّا، فَتكْبُر فيهِ وتَرْعَى، كما يَرْعَى جسْمُه وَيَكبُر.
وَقَدْ وَجدتُ وتَأَكَّدتُ أنَّ التَّربِيَّةَ الروحِيَّةَ تَبْدَأُ، بِدايةً منْ حَركَةِ الجَنِينِ فِي بطنِ أُمِّه، وَهُو في الشَّهرِ الرابِعِ من عُمْرِهِ الجَنِينِيِّ. فَقَدْ أَثْبتَ العلمُ أَنَّ الجَنينَ وَهوَ فِي بَطنِ أُمِّهِ يُشارِكُ الأُمَّ حَياتَها صِحَّةً وَاعْتِلالاً، وَمَشاعِرَهَا فَرَحًا وَحُزْنًا، وَنَفسِيَّتَهَا أَمنًا وَخَوفًا، وَرُوحَها رِضًى وَاستِقْرارًا أَوْ تَيهًا وَاضْطِرابًا.
وَلَمَّا كَانَ الأَمرُ كَذلِك، نَرَى أنَّ الاِهْتِمَامَ بِالمَولُودِ يَبدَأُ مِنْ رُوحِهِ وهُوَ جَنِينٌ فِي بَطنِ أُمِّه. لِهذَا نَنْصَحُ الوَالِدَين القِيامَ بِخُطواتٍ سَيَجِدَانِ أَثرَهَا فِي سُلُوكِ أَطْفَالِهِمَا بِكُلِّ تَأْكِيدٍ إٍنْ شَاءَ الله، لأَنَّنَا نَعتبرُهَا مِنْ أَسَاسَاتِ التَّرْبيَّةِ الرُّوحِيَّة، وَالتَّربِيةُ الرُّوحِيَّةُ كمَا يَتَّفِقُ عُلَمَاءُ التَّرْبيَّةِ هِيَ أَسَاسُ البِنَاءِ الشَّخصِيِّ لِلإِنْسَان.
فَمِنْ هَذهِ الخُطواتِ مَا يَجبُ عَلى الوَالِدينِ القِيامَ بِهِ قَبْل أَنْ يُزَيِّنَ المَولُودُ فِراشَهُما مثل:
1- اختِيَار الرَّجلِ زَوجتَه.
﴿وَلأَمَةٌ مُومِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
سورة البقرة: 221
" فَاظفَرْ بِذَاتِ الدِينِ تَرِبَتْ يَدَاك "
رواه البخاري ومسلم
" تَخَيَّرُوا لِنُطَفكُم فَإنَّ العِرقَ دَسَّاس "
رواه ابن ماجة
2- اختِيَارُ المَرأةِ زَوجَهَا.
" إِذَا جَاءَكُم مَن تَرضَونَ دِينَه فَزَوِّجُوه إِلاَّ تَفعَلُوا تَكُنْ فِتنَةٌ فِي الأَرضِ وَفسَادٌ كَبِير"
رواه الترمذي
3- التَّوجُّهُ إِلَى اللهِ تَعالَى بِخالِصِ الدُّعاءِ لِصَلاَحِ الذرِّيَّة.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزواجنا وَذُرِّيَاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ سورة الفرقان: 74
﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لدُنْكَ ذُرِّيَةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾
سورة آل عمران: 38
4- الدُّعَاءُ الخَالصُ عِندَ اللقَاءِ الحَمِيمِيِّ للزَّوجَين.
" أَمَا لَو أَنَّ أَحَدكُم يَقُولُ حينَ يَأْتي أَهلَه: بِسمِ اللهِ جَنِّبْنِي الشيْطانَ وَجَنِّبِ الشَّيطانَ مَا رَزقْتَنا ثُمَّ قُدِّرَ بَينهُما فِي ذَلك أَوْ قُضِيَ وَلدٌ لَمْ يَضُره شَيطانٌ أَبدًا " رواه البخاري
5-
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ